مصطفى البوجمعاوي: استضافة الكائنات العجيبة

فريد الزاهي

رجل صموتٌ ومتوحد، لا تراه إلا في النادر في افتتاح المعارض، أو الملتقيات الثقافية. ظل يشتغل في صمت في مرسمه الصغير في شقته المواجهة للبحر قبل أن ينتقل إلى سكنى أفسح ويحول قبو الفيلا بكامله إلى مرسم. ومع ذلك فمصطفى البوجمعاوي (من مواليد 1952)، فنان ذو حساسية فنية واجتماعية بالغة، يتابع مسيره الشخصي ويبلوره بعيدًا عن الأضواء وقريبا جدًا من ثرائه الداخلي. فبعد التخرج في أواسط السبعينيات من المدرسة الملكية للفنون الجميلة ببروكسيل، وارتياده للمدرسة العليا الفنون الجميلة لباريس، عاد إلى الرباط ليدرس الفن التشكيلي في مركز تكوين الأساتذة بالرباط، وليؤسس تجربة تشكيلية متفردة في الفضاء التشكيلي المغربي تستحق الاكتشاف والمساءلة.

كنت من بين الأوائل الذين انتبهوا إلى فرادة تجربة الفنان بحيث تابعتها بشكل حثيث وكتبت عنها الكثير. وأتذكر أني التقيت مرة إحدى أكبر الناقدات الإسبانيات التي جاءت للمغرب في رحلة تعرف على الفن المعاصر بالمغرب. فلما دعوتها لزيارة مرسم صديقي البوجمعاوي اكتشفت فنانًا من طراز خاص، لم يأخذ مكانه الحق في التجربة التشكيلية المغربية. طلبت منها أن تكتب عنه نصًا يصاحب نصي لمعرضه القادم، فلم تتردد قائلة: إنه فعلًا من أكثر الفنانين المغاربة معاصرة.

كانت البداية في الثمانينيات بما سماه بالبكتو جورنال، عبر الاشتغال شبه الانطباعي باللطخات، والاشتغال على الكولاج، الذي كان يمكنه من تهجين المساحة البصرية للوحة. ثم جاءت تجربة سلسلة الحدائق المتخيلة. إنها عبارة عن تحويل للمرئي إلى غطاء نباتي يستشري في اللوحة مثل بشرة ثانية للعالم، عبر تقنية اللطخات التي تنحو نحو وجد تعبيري. والحقيقة أن هذه التجربة الغنية والاستثنائية سوف تقوده في ما بعد إلى مغامرة أخرى تحتفي بالقوافل والجمال، وتستوحي أصوله البدوية. اللوحة هنا صارت تتشكل عبر التنقيطات التي تؤسس الخلفية وتغدو عبارة عن سماء وأرض ومجال ومحيط تنطبع عليه القافلة وحولها بعض الحروف بالخط العربي. تفصح هذه السلسلة عن الرغبة في الترحال وتوسيع المواطن ووزحزحة الحدود بينها، كما أنها مساءلة للهوية المتعددة للإنسان المعاصر باعتباره نزوعًا إلى البحث عن مواطن متخيلة تكون امتدادًا لحدائقه الداخلية الثرية بالمعنى.

ثم إن الفنان ما لبث أن انزلق نحو تجربة أكثر قربًا من متخيله البيئي والثقافي كي ينتج سلسلة سماها “كأس حياتي”. وهذا الكأس هو تسمية لكأس الشاي المتداول في الحياة اليومية المغربية، ليحول التسمية الحرفية إلى تسمية مجازية تلخص الرغبة في الحياة والضيافة ومتعة التقاسم للشاي في الأوساط الاجتماعية المختلفة. بيد أن السبب التقني يجاوز هذا المبرر الموضوعاتي لنكتشف مع الفنان أن حبوب الشاي توفر له معادلاً تقنيًا للتنقيط الذي مارسه سابقًا. من ثم يكون هذا التواؤم بين المنطلق التقني والموئل الجمالي والتعبيري مرحلة نضج للتجربة الفنية التي تعتمد على مساءلة الذات والعالم من خلال اليومي والوجودي في الآن نفسه. والحقيقة أن البوجمعاوي فنان يستكشف أصوله وفي الآن نفسه يطوّر مسيره في اتجاه محدد سوف يتبلور تدريجيا وبشكل متواتر عبر الخروج من اللوحة المسطَّحة إلى اللوحة المنشأة (الأنستاليشن).

ففي تجربة “كأس حياتي” سوف يبني الفنان في البداية رفًا في بعض اللوحات يضع عليه كأسًا مملوءًا بحبوب الشاي، ثم سيصنع صناديق داخلية في اللوحة يملأها بحبوب الشاي أو يعمد إلى لصق تلك الحبوب مباشرة على سطح القماش. وهكذا يغدو الشاي مادة تملأ اللوحة وتعوض التشكيل والألوان، ويغدو لونه وتشكيلته صياغة فنية ناجزة للوحة. الشاي هنا يغدو مادة وأثرًا، وجودًا ومظهرًا، معنى أصلاً ومعنى مجازيًا. إنه يتحول إلى أصل للمعنى عوض أن يكون مشروبًا متداولاً. بل إن الفنان أقام العديد من المنجزات الفنية (برفورمنس) صابًا أكياسًا كاملة من حبوب الشاي، جاعلاً منها بناءً هرميًا يسطع بالممكنات الدلالية والتأويلية.

بيد أن البوجمعاوي لا يكتفي بالانسياق مع القطائع الحادة. إنه يمارس المحو والنسيان التدريجي عبر مراحل انتقالية سوف يتوارى فيها الكأس والشاي من خلال لعبة تعبيرية عنيفة. هكذا سوف يتشوه الكأس عبر تداوير حلزونية كي يفقد هويته البصرية ويتلاعب بالخطوط التي تمحوه كي تمنحه مدى آخر.

في السنوات الأخيرة تحول نظر الفنان إلى عوالم باطنية ومتخيلة جديدة بالاشتغال على البراق والملائكة وكأنه بذلك يستجلي تلك المجازات التي ما فتئ يسائلها كالكأس والترحال والنقطة. في التجربة الجديدة هذه يُبين البوجمعاوي عن بواطنه الروحانية. إنه ينتقل من التواصل مع الذاكرة والأصول البدوية، ليحاور صمته المعلن والمضمر. ومن العالم الأرضي باهتماماته الوجودية، إلى المتخيل الديني والأسطوري، يزجّ الفنان بذاتيته الرحبة في عالم شبه طفولي. إنه بذلك يعيش ذاكرته الطفولية وكأنه يورثها للابن الوحيد الذي يرعاه كما ترعى أم ولدها، ينقطع عن الآخرين من أجله وكأنه يرغب في تأبيد صورته في العالم الآخر.

ومعلوم أن المتخيل الذي طبع طفولتنا عن الملائكة والجنّ يدخل في تكوين وعينا البصري والجواني بشكل ظلّ يغُني معه تصوّرنا عن انفتاح العالم وعن أسراره الدفينة. هكذا يزاوج الفنان بين شذْريته التنقيطية التي يجعل منها تربة متخيله التشكيلي، ويزج فيها بكائناته النورانية من بُراق وملائكة، كي تبدو لنا كما لو أنها خارجة من صلب وترائب الوجود. هذا العالم الجديد يتحول فيه كأس الشاي إلى قدح، والكائنات النورانية لا تتبدى فيه كلية. إنها تفصح عن نفسها كما لو أنها تنبعث من رحم الخلفية التي صارت أشبه بتوقيع تشكيلي للفنان. كان الكأس في ما مضى إمّا متوحدًا متوهّجًا في قلب اللوحة، أو يتناسل في تكرار يكاد يحوله إلى شتات منتظم يعبر عن تعويم لبنية المعنى في التعدد الآسر واللانهائي… ثم صار التوازي والتلاقي معبرًا جديدًا نحو تفكير العالم اللامرئي في كائناته العجيبة التي أثثت متخيلنا الطفولي.

يبني البوجمعاوي عوالمه بشكل حلزوني، بالشكل الذي يشكّل به طيف الكأس المتحول. وهو حين ينتقل من الأحادية إلى الثنائية ومن التعدد إلى التوازي فكأنه يخلق مقابلة بين المرئي واللامرئي. وفي هذا الانفتاح المتواتر يصوغ عالما متحولاً من غير قطيعة، ومتخيلاً لا يفصل البتّة بين حميمية الواقع ودهشة العوالم الموازية التي تدفئ علاقتنا بالغيب، وتلطف من وحدتنا في الوجود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

X